حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
180
التمييز
عامّة في أغلب أهل الخير والصّلاح في قديم الدّهر وحديثه ، إنّ اللّه اختار لخواصّه العيشة الراضية في الدّار الآخرة فقضى عليهم برقّة الحال هنا لتتوفّر حظوظهم هناك . وقال بعض الحكماء السّهر الذّ للمنام كما أنّ الجوع أزيد في طيب الطعام ، وهذا مطّرد في كلّ نعمة تزداد طيبا وموقعا إذا جاءت بعد أضدادها . والعلم الإلهي من الإنسان بمنزلة الحياة منه فما منع أحدا من وجه إلّا أعطاه « 1 » في ذلك المنع من وجه آخر ، وإنّما جعل اللّه الدّار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأنّ هذه الدّار لا تسعه ما يريد أن يعطيهم لأنّ اللّه أجّل أقدارهم على أن يجازيهم « 2 » في دار لا بقاء لها ، وإن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن . من تمام النّعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك ، وليقلّ ما تفرح به يقلّ ما تحزن عليه ، وإن أردت أن لا تعزل فلا تتولّ ولاية لا تدوم لك ، وما ذلّ عبد الا أعزّه اللّه كما في خبر « من تواضع لله رفعه اللّه » « 3 » ، شعر « 4 » ( الطويل ) / 74 ب / أذلّ لمن أهوى لأكسب عزة وكم عزة قد نالها المرء بالذلّ إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن ذليلا له فأقرئ السلام على الوصل ومن لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه بصحبة العبيد ، ومن تزيّن بزائل فهو مغرور ، ومن اشتغل بطلب الدّنيا ابتلي بذّلها ، وجاء في الحديث « من تواضع لغنيّ غناه ذهب ثلثا دينه » ، هذا في غنيّ صالح فما ظنك بالغني الظالم ، وفي حديث آخر « ان لكلّ أمة فتنة وإنّ فتنة أمتي المال » « 5 » . وروي أن عيسى عليه السلام قال : المال فيه داء كثير ، قيل : وما دواؤه . قال : يمنع صاحبه حق اللّه تعالى . قيل : فإن أدى حق اللّه ، قال : لا ينجو من الكبر الخيلاء . قيل :
--> ( 1 ) جاءت في نور عثمانية 3755 : وأعطاه . ( 2 ) جاءت في نسخة داماد إبراهيم 945 ونور عثمانية 3755 وبشير بوبو : ( عن أن يجازهم ) . ( 3 ) الفتح الكبير 3 / 180 . ( 4 ) ورد البيتان في شرح الحكم 1 / 132 ؛ 2 / 239 - 240 ؛ قوانين حكم الاشراق ، ص 31 ولكن بدون نسبة لقائل . ( 5 ) رواه ابن حنبل في مسنده 4 / 160 .